محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
120
الروض المعطار في خبر الأقطار
ألا أريك شيئا حسنا ، فانحدر إلى البحر فأخذ ضفدعا ، فجعل في عنقها شعرة من ذنب فرس ، فحانت مني التفاتة فإذا هو خنزير ، في عنقه حبل ؛ ثم مشى ، فدخل به بيسان ، فباعه من بعض الأنباط بخمسة دراهم ، ثم ارتحلنا ، فسرنا غير بعيد ، فإذا الأنباط يتعادون في أثرنا ، فقلت : قد أتاك القوم ، قال : فأقبل منهم رجل جسيم ، فرفع يده فلكمه في أصل لجيته ، فصرعه عن الدابة ، فإذا برأسه معلق بجلده من رقبته ، وأوداجه تشخب دما . فقلت : قتلتم الرجل . فمضى القوم يتعادون هاربين . فقال لي الرأس : انظر ، مرّوا ؟ . فقلت : نعم ، قال : انظر ، أمعنوا ؟ فذهبت أنظر إليهم ، ثم التفتّ فإذا هو جالس ليس به بلية . وبيسان « 1 » : أيضا بالحجاز . وفي الخبر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ بماء يقال له بيسان في غزوة ذي قرد ، فسأل عنه فقيل : اسمه بيسان ، وهو ملح . فقال : « هو نعمان وهو طيب » ، فغيّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اسمه وغيّر اللّه تعالى الماء ، واشتراه طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه ثم تصدق به ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنت يا طلحة إلا فياض » فبذلك سمّي الفياض . وقال جابر بن حيوة لعروة بن رويم : اذكر لي رجلين صالحين من أهل بيسان ، فبلغني ان اللّه تعالى اختصهم برجلين من الأبدال لا ينقضي منهم رجل إلّا أبدل اللّه تعالى مكانه رجلا ، لا تذكر لي متماوتا ولا طعّانا على الأئمة فإنّه لا يكون منهم الأبدال . بيشة « 2 » : واد من أودية تهامة . وبيشة السماوة مأسدة معروفة . بيش « 3 » : من قواعد بلاد الروم ، مشهورة الذكر ، كثيرة القطر ، عامرة الأسواق والديار ، كثيرة البساتين والجنات ، متصلة الزراعات ، معاقلها كثيرة ، وأرضها خصبة ، ومياهها مغدودقة ، وآثارها عجيبة ، ولأهلها مراكب واستعداد لركوب البحر وقصد البلاد . وهي على نهر يأتي إليها من جبل بناحية انكبرده وهو نهر كبير عليه الارحاء والبساتين . بيّاش « 4 » : موضع أو قرية بالبلاد الإفريقية بين القيروان وتونس . فيه كان قتل محمد بن سليمان القوبع التجيبي « 5 » الخارج بتونس على محمد بن الأغلب ، وكان ولاه عليها ، فنبذ طاعته ، وخالف عليه ، وشرع في قتل الجند ، فكتب إليه محمد بن الأغلب يعظه ويحظّه على الطاعة ، فلم يقبل . فوجه إليه جيشا عليهم محمد بن موسى معه فيه جماعة من وجوه الجند فيهم تمّام بن تميم التميمي ، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بطبريق زحف إليهم القوبع من تونس ، فالتقوا وعثر بتمام فرسه ، فسقط وأخذ أسيرا ، فأتي به القوبع ، فأحب أن يستبقيه ، فلما رأى ذلك ابنه ضربه بحربة في صدره ، فسقط ميتا ، وانهزم عسكر محمد بن الأغلب ، ثم حشد الناس ووجوههم مع خفاجة بن سفيان مولاه . فلما صاروا إلى جبل شعيب من حدّ صطفورة التقوا فاقتتلوا اقتتالا شديدا ، وقتل من الفريقين عدد كبير . ثم انهزم القوبع وأصحابه ، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة ومضى المنهزمون يريدون تونس ، ولحق القوبع رجل من الجند ، فطعنه فأراده عن فرسه ، وهو لا يعرفه ، ونزل إليه ، فأخذ درعه وسيفه ، ولحقه رجل نظر إلى حسن الدرع والسّلب ، فسأل عن صاحبه ، فأشار إليه ، فنظر : فإذا هو القوبع ، فبدر إليه فضرب عنقه ، ومضى برأسه إلى ابن الأغلب ، فوصله وأحسن إليه ، وكان ذلك في بياش هذه ، في جمادي الأولى سنة ست وثلاثين ومائتين . وبعث إلى أهل تونس ، فأمّنهم ورغّبهم في العافية ، وأمرهم باخراج أخي القوبع وابنه ، فأبوا من ذلك ، فقاتلهم على أبواب الخنادق قتالا شديدا ، ورموا بأنفسهم عليهم في خندقهم حتى دخلوا عليهم عنوة ؛ وهرب ابن القوبع في قارب ، فوجّهت إليه القوارب ، فأخذوه ، فلما أتي به إليه قال لسلمة بن تميم : انزل فاقتله بأخيك ، فنزل إليه سلمة فقال له : لا تجزع يا بني ، فإنما هو دين يقضى ، فضرب عنقه . البيضاء « 6 » : هي أكبر مدن إصطخر من أرض فارس ، لها حصن وربض عامر ، وسميت البيضاء لأن قلعتها بيضاء يرى بياضها من بعد ، وهي في الكبر تضاهي إصطخر ، ولها حروث متسعة وخصب زائد ، وأكثر ميرة شيراز منها ، وأهلها مياسير وزيهم زيّ العراقيين في اللباس والعمائم .
--> ( 1 ) معجم ما استعجم 1 : 292 . ( 2 ) معجم ما استعجم 1 : 293 ، 294 . ( 3 ) ( Piza ) الإدريسي ( م ) : 72 . ( 4 ) ص : بياس ، ولم أجد لهذا الموضع ذكرا في المصادر المتيسرة . ( 5 ) هكذا سمّاه هنا وهو عند ابن عذاري ( 1 : 110 ) عمرو بن سليم التجيبي ، وفي ثورته على ابن الأغلب راجع L , Emirat Aghlabide للطالبي ص : 242 - 248 ويسميه « القويبع » ، وهو في ص ع أحيانا بالباء الموحدة وأحيانا « القويع » بالياء المثناة . ( 6 ) نزهة المشتاق : 132 .